محمد طاهر الكردي
189
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
فصرف عنهم كيد الشيطان فجمع كلمتهم على أبي بكر ، رضي اللّه تعالى عنه وعنهم أجمعين . فلما انتهت البيعة العامة يوم الثلاثاء في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، الذي بلصق بيته - أقبلوا على تجهيزه ودفنه عليه الصلاة والسلام . فقام على غسله صلى اللّه عليه وسلم عمه العباس وابناه الفضل وقثم وعلي بن أبي طالب وأسامة بن زيد وشقران مولى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وضرب العباس كلة من ثياب يمانية لغسله عليه الصلاة والسلام ، ثم أذن لرجال بني هاشم فقعدوا بين الحيطان والكلة ، ثم دخل هؤلاء الذين ذكرناهم الكلة ليتولوا غسله صلى اللّه عليه وسلم فغسلوه حسب السنة ، وهو الطاهر المطهر في ثيابه من غير أن يجردوه منها ، يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص خشية أن تظهر عورته ، وكان علي هو الذي يتولى غسله كما أوصاه عليه الصلاة والسلام بذلك ، ولم ير من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مما يرى من الميت وكان علي يقول : بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه ، ما أطيبك حيا وميتا - جاء في الموطأ أنه صلى اللّه عليه وسلم لما كان عند غسله أرادوا نزع قميصه ، فسمعوا صوتا يقول : لا تنزعوا القميص ، فلم ينزع القميص - وغسل وهو عليه ، صلى اللّه عليه وسلم . ا ه . وبعد أن غسلوه وجففوه أدرجوه في أكفانه في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة ، وطيبوه وجمروه بالعود والند ، ثم احتملوه حتى وضعوه على سريره في بيته وسجوه . ثم صلى عليه علي والعباس وبنو هاشم ثم المهاجرون ، ثم الأنصار ، ثم الناس ، ثم النساء ، ثم الغلمان ، يصلون عليه أفذاذا لا يؤمهم أحد - يدخل المسلمون زمرا فيصلون عليه ويخرجون ، وكان الناس يدخلون للصلاة عليه صلى اللّه عليه وسلم من باب ويخرجون من باب آخر - فلما صلي عليه نادى عمر : خلوا الجنازة وأهلها ، ثم دفنوه في منتصف ليلة الأربعاء . وقد اختلفوا في موضع دفنه أيدفونه بمكة أو بالمدينة أو بالقدس أو عند منبره أو في البقيع ، فقال لهم أبو بكر ، رضى اللّه عنه : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض . نقول : وهذا كما لا يخفى كرامة عظيمة له ، حتى يتميزوا عن جميع الناس لما لهم من المكانة والمنزلة السامية عند اللّه عز وجل .